الحفاظ على التقاليد، واعتناق الدقة: رحلة في تراث أوبل الغني


إن استكشاف رؤى وأفكار وتاريخ وخبرات شركة تصنيع السيارات ليس أمراً يحدث كل يوم، خاصةً إذا كانت الشركة ألمانية المنشأ، ولكن وعندما تأتي الفرصة لذلك ، يجب عليك الانغماس بشكل كامل في التجربة والتعلم قدر المستطاع عن العلامة المعنية. وهذا ما تمكنا منفعله بعد دعوتنا من قبل علامة أوبل وممثلها في الجزائر ( HCI) إلى مقرها في روسلسهايم بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 125 سنة على شروعها في إنتاج السيارات، وبمناسبة عودتها إلى السوق الجزائرية.
بوصولنا إلى روسلسهايم، تبين لنا، أنها ليست مجرد مدينة تحتضن مقر شركة أوبل، بل هي جوهر العلامة الألمانية التي بدأت مشوارها سنة 1898 بعد تأسيسها من طرف أدم أوبل، كشركة لتصنيع ماكينات الخياطة والدراجات، لتنتقل في سنة 1899 إلى إنتاج السيارات في أول مصنع لها في هذه المدينة التاريخية، التي يعمل سكانها – جيل بعد جيل – في هذا المصنع التاريخي الذي يحتفل بمرور 125 سنة على إنتاج أول سيارة له.


الهوية الجديدة تحت شعار أنا ألماني ولكن يمكنني أن أكون مضحكا في بعض الأحيان
كانت هذه مفولة هولغر وير أحد كبار المصممين في شركة أوبل، والتي شدت إنتباهنا كثيرا أثناء إستقبالنا من طرف الرئيس التنفيذي لعلامة أوبل، السيد فلوريان هوتل، والسيد نسيم بن قرقورة، مدير قسم السيارات لمجمع حليل، على مستوى إستديو التصميم الخاص بذات العلامة في رسلسهايم.

وخلال تواجدنا هناك، تم تقديم عرض خاص حول فلفسة أوبل التصميمية الجديدة، والتي تعمل على خلق هوية خاصة بمركبات العلامة الألمانية، مع الحفاظ على هويتها التاريخية، وكل هذا مع جعلها أكثر جرأة، وأكثر تماشيا مع رغبات الزبائن الحالية من أناقة، فخامة، خطوط بارزة، وتصاميم مميزة عموما.

نقي، وجريء، هو شعار هذه الفلسفة التي تطبق من خلال خلق راحة بصرية في جميع أنحاء السيارة، سواء في الداخلية " المينيماليستية" بشاشات كبيرة وأزرار إختصار خاصة، أو من خلال الخطوط الخارجية التي تمنح جل تشكيلة أوبل لمسة ألمانية أنيقة، مع الحفاظ على الدقة في إمتزاج الخصوص ببعضها البعض.
كما تطبق أيضا من خلال تقديم خيارات ألوان " جريئة" مثل الأصفر و الأخضر والأحمر المتوفر في كل مركبات أوبل، والتي يمكن توفيرها بطلاء متباين بين اللون الأسود في السقف، ولون آخر لباقي الهيكل.
إضافة إلى ذلك، تسنت لنى الفرصة للإطلاع على النسخة المحدثة من فلفسفة التصميم الجديدة، والتي جاءت من خلال السيارة النموذجية Experimental.
فلسفة التصميم السابقة التذكر، تم ترجمتها كذلك إلى قاعات العرض الخاصة بأوبل، والتي قمنا بزيارتها وللإطلع على مختلف العناصر التي تجعلها تبرز كأحد قاعات العرض الأكثر تألقا، سواء من خلال الأضواء الداخلية والخارجية، الألوان المستعملة، تجربة العميل في التعرف على تاريخ العلامة، وغيرها من العناصر التي يتم تطويرها يوما بعد يوم.

أوبل .. من ماكينات الخياطة إلى سيارات فريدة من نوعها
خلال تجولنا في عالم أوبل لمدة ثلاثة أيام، سنحت لنا الفرصة لزيارة متحف أوبل للمركبات والآلات الكلاسيكية، والذي يعرض أكثر من 600 سيارة، وعديدا من الآلات والمركبات كذلك، لاحظوا إستعمالنا لمصطلحات كالآلات والمركبات، كون هذا المتحف، يعد ملجأ آمنا لأولى إنتاجات أوبل من ماكينات الخياطة، الدراجات الهوائية، الدراجات النارية، وحتى محركات للطائرات.

وفيما قام فريق أوبل بتخصيص خبير في سياراتها الكلاسيكية لعرض مختلف الحقبات التي مرت بها العلامة الألمانية، إلا أنني إنفصلت عن المجموعة، لأدقق النظر في عديد من السيارات الأيقونية للعلامة، كأول سيارة ركاب تخرج من خطوط الإنتاج، PotentMotorwagen بمحرك أحادي الأسطوانة، وبقوة 3.5 حصان، أو كسيارة الوحش الأخضر التي تأتي بأحد أكبر المحركات عند 12.3 لتر، وبقوة 260 حصان.

أو مثلا سيارة Capitaine المطلية بالذهب، والتي جاءت كإحتفال للمركبة رقم 2 مليون منتجة من طرف أوبل عالميا، إضافة إلى سيارات كادات، أو النسخة طبق الأصل عن الـ RAK2 التي أستعملت لتحقيق رقم قياسي أنذاك بالوصول إلى سرعة قصوى تقدر بـ 238 كلم/سا.
وما شد إنتباهي كذلك هو تاريغ أوبل العريق في الرياضات الميكانيكية، سواء من خلال الأسترا V8 كوبيه، أو الـ Calibra V8 أو الـ Eco Speedster التي حطمت 17 رقما قياسيا عالميا على حلبة اختبار دودنهوفن ووصلت إلى سرعة متوسطة قدرها 225.079 كم/سا، كل هذا مع إستهلاك 2.54 لتر لكل 100 كلم.

لن يكفي هذا المقال للحديث عن كل السيارات التي أنارت أعين كاتبكم هذا، ولن يكفي مقال واحد لتغطية ما تحمله كل سيارة من قصة، من تاريخ، ومن حكاية، ولكي لا نطيل على قرائنا الأعزاء، دعونا ننزل إلى الطابق الثاني للمتحف ... أين يتم عرض السيارات النموذجية لعلامة أوبل.
فعلى سبيل المثال، يمكن الإطلاع على الـ GT X EXPÉRIMENTAL والتي كانت بمثابة حجر الأساس لسيارة موكا التي نعرفها الآن، أو سيارة Opel GT التي تحاول ترجمة السيارة الرياضية الكلاسيكية القديمة – والمتواجدة أيضا في المتحف- في الوقت الحالي، كما وما أثر في تفكيرنا هو النظرة المستقبلية التي كانت تحوزها أوبل، حيث أغلب النماذج الموجةدة هناك، يمكن تطبيقها حاليها في الأسواق المتاحة، هذا ما قد نراه مستقبلا.

بملاحظة هذه النماذج، يمكن تحديد الفواصل بين فلسفات التصميم التي مرت بها العلامة الألمانية، لكن، تبقى فلسفة التسميم الجديدة هي التغير الجذري، بداية من الموكا التي حملت هوية الـ Vizor، قاطعة الصلة بين التصاميم القديمة، وممهدة الطريق للهوية الجديدة.
أوتوبيب في تجربة لقيادة تشكيلة أوبل
إضافة إلى زيارة المتحف الذي سيبقى راسخا في أذهان كاتبكم، تمكنا من تجربة بعض موديلات علامة أوبل، والبداية كانت مع السيارة المنتظرة في الجزائر، كورسا، والتي كانت بمثابة مقبلة لما قمنا بتجربته عموما.

بتجهزها لمحرك ثلاثي الأسطوانات سعة 1.2 لتر بقوة 130 حصان، تمنح الكورسا المحدثة قيادة جيدة نوعا ما ، مع تصميم شباي وعصري بإمتياز، خصوصا باللون المتباين الأسود و الأحمر في النسخة المجربة، عموما، إنطبعاتنا الأولية كانت إجابية على عكس السيارة الثانية المجربة.

بالفعل، قدمت لنا ثاني سيارة مجربة تجربة مختلطة نوعا ما، شيء لم يكن منتظرا من الموكا الكهربائية، وهذا عبر نظام التعليق الذي يجعلك تحس أن هيكل السيارة منفصل نوعا ما عن الهيكل، خصوصا في المنعطفات التي تزيد من ميل السيارة، ولكن بغض النظر عن نظام التعليق، تقدم السيارة أداء جيدا، عزلا ممتازا، وتوجيها دقيقا.

حديثا عن الدقة، بالتحديد الدقة الألمانية، يمكن تلخيصها في كلمتين " أسترا الكهربائية"، والتي كانت بمثابة " La cerise sur le gâteau" حسب المقولة الفرنسية، أو " حبة الكرز على قمة قالب الحلوى"، حيث منحتنا هذه السيارة شعورا بالأناقة، الرحابة، والدقة في التحكم، وفي كل عناصرها.
محرك PureTech حاظر في مأدبة العشاء
بتوفره في أغلب النماذج المجربة في ألمانيا، و أغلب النماذج المسوقة في الجزائر، كان من المتوقع جدا أن يتم التطرق إلى محرك PureTech ، ومختلف الإنتقادات التي مسته، بعد إطلاق علامة أوبل في الجزائر، حيث سنحت الفرصة لأوتوبيب، ومختلف أعضاء الصحافة المختصة، بمشاركة العشاء مع السيد فلوريان هوتل، الرئيس التنفيذي لعلامة أوبل، والذي أجاب على كل الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع.
بالفعل، أكد الرئيس التنفيذي لعلامة أوبل أنه قد تم تسجيل بعذ النقائص في ظروف معينة وبالأخص على بعض النماذج من المحركات، والتي – حسبه- لم تتوفر فيهاي معايير الجودة والمتانة المطلوبة بالشكل الكامل، ولكنه طمأن أن فريق العمل قد إستجاب على الفور لهذه النقائص أو "التحديات" من خلال إدخال التعديلات والتحديثات اللازمة للمحركات.
كما أشار هوتل إلى أن الحلول التقنية تتباين بين النماذج المختلفة وليست متماثلة للجميع، ولكن تم تطبيق التحسينات على كل النماذج حتى جزوان 2022.وأكد بأن المشاكل التي تم معالجتها ليست متعلقة بالمحركات الحالية، بما في ذلك تلك التي يتم تسويقها إلى الجزائر.
إضافة إلى ذلك ، أوضح هوتل أنهم قاموا بعمل محاكاة وتصميم واختبارات طويلة للتأكد من متانة وفعالية التعديلات التي قاموا بها، وأنه يتفهم مخاوف الزبائن الجزائريين ويعترف بأنها تحتاج إلى شرح وتوضيح معمق، مشيرا إلى خطوة جريئة تتمثل في توفير خبراء في مجال الجودة والهندسة من أوبل لتقديم المزيد من التوضيحات حول المحرك بهدف ضمان راحة زبائنهم.
مصنع تاريخي بمزيج من العصرنة والتراث
أخر محطة لنا كانت في مصنع الشركة الأم، والذي بعد 125 سنة، لا يزال ينبض بالحياة، وينتج آخر ما توصلت إليه العلامة، ومجموعتها من تكنلوجيا، عبر إنتاج سيارة أسترا بكل محركاتها الحرارية، الهجينة، والكهربائية، وكل نسخها، إضافة إلى شقيقتها من نفس المجموعة، تحت علامة DS Automobile، نموذج DS4.
بقدرة إنتاجية تصل إلى 600 وحدة يوميا ( نحو رفعها إلى 650 وحدة)، يعتبر واحدا من أكبر المصانع لتصنيع السيارات في أوروبا، حيث يمتد على مساحة تبلغ 1.8 مليون متر مربع ويوفر أكثر من 13000 منصب شغل ، حسب إحصائيات العام الماضي.
كما يضم لمصنع معدات متطورة مثل 12 آلة ضغط بسعة 1000 طن، و1200 روبوت لعمليات اللحام، بالإضافة إلى منظومة للطلاء بثلاث طبقات بقدرة تصل إلى 1800 هيكل سيارة يوميا، و 4 خطوط خاصة بالتجميع النهائي.
ومن خلال زيارتنا، لاحظنا أن هذا المصنع، يعتمد على اليد العاملة المؤهلة من جهة، وإلى التقنيات والتكنلوجيا الحديثة من جهة أخرى، ما يخلق مزيجا بين العصرنة والتراث، كقصة خيالية أبطالها الروبوتات والعمال، ونهايتها سمفونية ناتجة عن تناغمهم مع بعضهم البعض.
أسترا الجزائرية بنفس معايير أسترا الأوروبية
بعد زيارة مصنع أوبل للإنتج في روسلسهايم، لاحظنا أن سيارة أسترا الخاصة بالسوق الجزائرية، تتم تصنيعها وفقا لنفس المعايير المطبقة على أسترا الموجهة للأسواق الأوروبية، ومن طرف نفس العمال. وقد تم اختيار إحدى هذه السيارات لتخضع لفحص دقيق في مركز فحص العملاء، للتأكد من خلوها من أي عيوب، حيث سيتم تصحيح أي عيوب يتم اكتشافها في الإنتاج.


يتم اختبار نسبة 3% من السيارات بشكل عشوائي، وذلك بهدف التأكد من جودة المنتج والامتثال للمعايير العالية المطلوبة. ومن خلال هذا العمل المستمر على ضمان الجودة، يحاول فريق مصنع أوبل التأكيد على أن العلامة الألمانية تلبي توقعات الزبائن وتحافظ على سمعتها كشركة موثوقة في صناعة السيارات.




