السيارات الكهربائية.. الصين تربح والغرب يواجه الخسائر

بعد سنوات من المنافسة والاستثمارات الضخمة في قطاع السيارات الكهربائية، بدأت الشركات الصينية تجني ثمار توسعها، مع تمكن عدد من المصنعين الناشئين من تحقيق أولى أرباحهم المالية، في تطور يعكس التحول المتسارع الذي تشهده صناعة السيارات العالمية، ويؤكد تنامي قوة الشركات الصينية في مواجهة المصنعين التقليديين.
وخلال الفترة الأخيرة، أعلنت ثلاث شركات صينية بارزة، هي ليب موتور (Leapmotor)، ونيو (Nio)، وإكس بينغ (Xpeng)، عن تحقيق أولى أرباحها السنوية أو الفصلية، بعد سنوات من تسجيل الخسائر المرتبطة بتطوير المنتجات وتوسيع القدرات الإنتاجية والاستثمار في التكنولوجيا.
وسجلت شركة ليب موتور، المدعومة من مجموعة ستيلانتيس، أول أرباح سنوية في تاريخها خلال سنة 2025، بلغت حوالي 78 مليون دولار، بعدما كانت قد سجلت خسائر قدرت بنحو 410 ملايين دولار خلال السنة السابقة. من جهتها، أعلنت شركة نيو عن تحقيق ربح صافٍ معدل قدره 104 ملايين دولار خلال الربع الرابع، مقابل خسائر قاربت 900 مليون دولار خلال الفترة نفسها من سنة 2024.
أما شركة إكس بينغ، فقد تمكنت بدورها من تحقيق صافي ربح يقدر بحوالي 55 مليون دولار خلال الربع الرابع من السنة الماضية، بعد تسجيل خسائر بلغت نحو 190 مليون دولار خلال الفترة نفسها من السنة التي سبقتها.
وبذلك، تنضم هذه الشركات إلى قائمة متنامية من المصنعين الصينيين الذين تمكنوا من تحقيق الأرباح في قطاع السيارات الكهربائية، والتي تضم بالفعل أسماء بارزة مثل BYD، وشاومي، ولي أوتو (Li Auto). ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه العديد من الشركات الغربية تواجه صعوبات مالية مرتبطة بالانتقال نحو السيارات الكهربائية.
وتعد تسلا حالياً الشركة الغربية الوحيدة المتخصصة بشكل أساسي في السيارات الكهربائية التي تحافظ على تحقيق الأرباح، رغم تراجع نتائجها المالية خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع توجهها نحو مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات. كما سجلت شركات أمريكية كبرى، على غرار جنرال موتورز وفورد وستيلانتيس، أعباء مالية بمليارات الدولارات خلال السنة الماضية، في إطار إعادة تقييم استراتيجياتها المتعلقة بالسيارات الكهربائية.
وفي أوروبا، تواصل شركات مثل BMW وفولكسفاغن ومرسيدس بنز وأودي وفولفو تطوير طرازات كهربائية جديدة، مع التركيز على تحسين مدى القيادة وأنظمة البرمجيات وسرعة الشحن، رغم التحديات المالية والمنافسة المتزايدة من المصنعين الصينيين.
ويرتبط تقدم الشركات الصينية بمجموعة من العوامل، من بينها الدعم الحكومي الكبير الذي استفادت منه صناعة السيارات الكهربائية خلال السنوات الماضية. وحسب تقرير نشرته بلومبرغ سنة 2024، استناداً إلى دراسة أجراها معهد كيل الألماني، حصلت شركة BYD وحدها على إعانات حكومية مباشرة لا تقل عن 3.7 مليار دولار. كما قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي إجمالي الدعم الذي قدمته الصين لصناعة السيارات الكهربائية بنحو 230 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين 2009 و2023.
إلى جانب ذلك، تعتمد الشركات الصينية على استراتيجية التكامل الرأسي في التصنيع، من خلال إنتاج نسبة كبيرة من مكونات سياراتها داخلياً، بدلاً من الاعتماد الكامل على الموردين الخارجيين. وتعد BYD مثالاً بارزاً على هذا التوجه، حيث تنتج الشركة حوالي 75% من مكونات سياراتها الكهربائية بنفسها، بما في ذلك البطاريات والمحركات الكهربائية وأنظمة إلكترونيات الطاقة والبرمجيات.
ويسمح هذا النموذج بالتحكم بشكل أفضل في تكاليف الإنتاج وتقليل الاعتماد على الموردين، خاصة أن البطاريات تعد من أغلى مكونات السيارات الكهربائية. كما تواصل هذه الشركات الاستثمار بكثافة في البحث والتطوير، بهدف تحسين منتجاتها والحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق تعرف تطوراً سريعاً.
وتبرز شركة نيو كأحد الأمثلة على قدرة المصنعين الصينيين على تطوير استراتيجيات تجارية مختلفة، حيث تعتمد حالياً على ثلاث علامات تجارية تستهدف فئات متنوعة من الزبائن، وهي Nio الموجهة للفئة الراقية، وOnvo الموجهة للسوق الجماهيري، إضافة إلى Firefly المتخصصة في السيارات الصغيرة والمدمجة.
كما تعتمد الشركة على نظام بيع السيارات دون البطاريات، مع إمكانية الاشتراك في خدمات تبديل البطاريات، وهو ما يسمح بتخفيض التكلفة الأولية لاقتناء السيارة. وتمتلك نيو شبكة تضم أكثر من 3,750 محطة لتبديل البطاريات في الصين، وقد سجلت خلال شهر فيفري رقماً قياسياً بلغ 177,627 عملية تبديل خلال يوم واحد.
ولم يكن طريق الشركة نحو تحقيق الأرباح سهلاً، حيث واجهت صعوبات مالية كبيرة خلال جائحة كورونا، وكادت أن تنهار قبل حصولها على تمويل بقيمة مليار دولار من عدة شركات صينية مملوكة للدولة، ثم استثمارات إضافية بقيمة 2.2 مليار دولار من صندوق الثروة السيادي لأبوظبي سنة 2023.
أما ليب موتور، فقد استفادت بشكل كبير من شراكتها مع مجموعة ستيلانتيس، خاصة في مجال التوسع خارج الصين. فبدلاً من إنشاء شبكة توزيع مستقلة في الأسواق الأوروبية، اعتمدت الشركة على شبكة وكلاء ستيلانتيس لتسويق سياراتها، ما سمح لها بتسريع انتشارها وتقليل تكاليف التوسع.
وتمكنت ليب موتور من تسليم 596,555 سيارة حول العالم خلال سنة 2025، بزيادة بلغت 103% مقارنة بالسنة السابقة، كما أصبحت حاضرة في 40 دولة عبر آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.
ومن بين التجارب اللافتة أيضاً، تجربة شركة شاومي التي دخلت عالم السيارات دون امتلاك خبرة سابقة في التصنيع، بعدما أطلقت سيارتها الكهربائية الأولى SU7 في أفريل 2024. وخلال أقل من عامين، تمكنت الشركة من بيع أكثر من 380 ألف سيارة، كما حقق نشاطها في مجال السيارات الكهربائية أول أرباح فصلية بعد 19 شهراً فقط من دخوله السوق.
واستفادت شاومي من خبرتها في مجال الإلكترونيات والتكنولوجيا، إلى جانب إمكانياتها المالية، لتطوير استراتيجية تقوم على دمج السيارات ضمن منظومتها الرقمية التي تشمل الهواتف الذكية والأجهزة المنزلية المتصلة، تحت مفهوم Human x Car x Home، الذي يهدف إلى ربط مختلف الأجهزة والخدمات ضمن نظام متكامل.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، لا تزال المنافسة في السوق الصينية شديدة، حيث تتواصل حرب الأسعار بين المصنعين، وهو ما بدأ يؤثر حتى على الشركات الكبرى. فقد سجلت BYD تراجعاً في مبيعاتها بنسبة 41% خلال شهر فيفري، وهو أكبر انخفاض لها منذ فترة الجائحة، نتيجة اشتداد المنافسة المحلية إلى جانب العوامل الموسمية المرتبطة بعطلة رأس السنة الصينية.
ومع استمرار الضغط على الأسعار في السوق المحلية، تتجه الشركات الصينية بشكل متزايد نحو الأسواق الخارجية لتعزيز مبيعاتها وتوسيع حضورها العالمي، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.
وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة في قطاع السيارات الكهربائية لم تعد تقتصر على تطوير التكنولوجيا وزيادة المبيعات وتخفيض الأسعار، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة المصنعين على تحقيق الأرباح والحفاظ على استمرارية أعمالهم. وفي الوقت الذي لا تزال فيه العديد من الشركات الغربية تعيد تقييم استراتيجياتها الكهربائية، يبدو أن المصنعين الصينيين يحققون تقدماً سريعاً في الانتقال من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة النضج المالي، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى في صناعة السيارات العالمية خلال السنوات المقبلة.

