الشحن البحري يعجز عن مواكبة الوتيرة المتسارعة لصادرات السيارات الصينية

لا شك أن المتابع لصناعة السيارات العالمية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ تحولا جذريا في موازين التصدير، حيث انتقلت الصين من مصدر ثانوي للسيارات إلى أكبر مصدر في العالم خلال خمس سنوات فقط، وهو ما وصفه الرئيس التنفيذي لشركة Höegh Autoliners، أندرياس إنغر، بالتحول اللافت الذي لم تشهده الصناعة من قبل بهذه السرعة. فبعدما كانت الصين تصدر أقل من 600 ألف سيارة سنة 2019، تشير تقديرات مجموعة الأبحاث Mobility Global، بحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، إلى أن هذا الرقم قد يصل إلى 10 ملايين سيارة هذا العام، وهو ما يطرح سؤالا مهما: هل تمتلك صناعة الشحن البحري القدرة على مواكبة هذا الكم الهائل من الصادرات؟
الإجابة، وفق المعطيات المتوفرة حاليا، هي لا، إذ لا تزال قدرات الشحن بعيدة عن تلبية الطلب الصيني رغم التوسع الذي شهده أسطول ناقلات السيارات عالميا بنسبة تقارب 40 بالمائة، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة Wallenius Wilhelmsen، لاسي كريستوفرسن. وقد انعكس هذا الخلل مباشرة على أسعار تأجير السفن المتخصصة في نقل السيارات، والتي ارتفعت بنسبة 65 بالمائة منذ بداية العام، لتصل معدلات التأجير السنوية إلى 70 ألف دولار يوميا في شهر جوان، مقارنة بـ 42500 دولار فقط في نهاية العام الماضي، وفق بيانات شركة السمسرة البحرية Clarksons.
ويعود هذا الارتفاع الكبير في الصادرات إلى عوامل داخلية بالأساس، أهمها المنافسة الشرسة بين أكثر من 100 علامة سيارات محلية صينية، وما نتج عنها من إنتاج مفرط يفوق حاجة السوق المحلي الذي يشهد تباطؤا واضحا، حيث تراجعت مبيعات السيارات في الصين بأكثر من 20 بالمائة خلال النصف الأول من السنة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة. وفي هذا السياق، اعتبر مدير شركة Sino Auto Insights، تو لي، أن التصدير أصبح بمثابة صمام أمان يمتص فائض الإنتاج الذي لا يجد له مكانا في السوق الصيني نفسه.
أمام ندرة السفن المتخصصة، لجأت بعض الشركات المصنعة إلى حل بديل يتمثل في نقل السيارات داخل حاويات الشحن العادية، وهي حاويات كانت في الأصل مخصصة لنقل الأثاث والأجهزة الإلكترونية، حيث كشف كريستوفرسن أن ما يصل إلى 4 ملايين سيارة سنويا باتت تُنقل بهذه الطريقة أو عبر وسائل بديلة أخرى غير ناقلات السيارات المخصصة، وهو ما دفع شركات كبرى في مجال نقل الحاويات، من بينها A.P. Moller-Maersk و Mediterranean Shipping Co، إلى تقديم خدمات مباشرة للشركات المصنعة.
إقرأ أيضا : بأكثر من 143 ألف مركبة مستوردة ... الجزائر ضمن أكبر أسواق السيارات الصينية في النصف الأول من 2026
وعلى صعيد الأسواق، بدأت هذه الموجة التصديرية تعيد رسم خارطة الحصص السوقية في أوروبا بشكل خاص، حيث ارتفعت تسجيلات سيارات SAIC Motor في الاتحاد الأوروبي بنسبة 19 بالمائة خلال النصف الأول من سنة 2026، فيما تجاوزت تسجيلات BYD الضعف، بحسب بيانات الرابطة الأوروبية لمصنعي السيارات (ACEA)، في حين سجلت العلامات الغربية التقليدية نموا محدودا جدا أو شبه منعدم، إذ اكتفت Stellantis بنمو 6 بالمائة، بينما لم يتجاوز نمو Volkswagen نسبة 2.6 بالمائة، أما Renault فقد سجلت تراجعا بنسبة 4.2 بالمائة. ويبقى السوق الأمريكي إلى حد الآن بمنأى عن هذا الحضور الصيني الكثيف بسبب الرسوم الجمركية والقيود المفروضة على البرمجيات لاعتبارات أمنية، إلا أن السيارات الصينية تواصل التوسع وتزاحم العلامات الغربية في أسواق أخرى كبريطانيا والبرازيل وألمانيا.
ولم تكتف بعض الشركات الصينية بمتابعة الوضع من بعيد، بل انتقلت إلى الاستثمار المباشر في قطاع الشحن البحري لضمان القدرة الاستيعابية اللازمة لصادراتها، وعلى رأسها BYD التي أطلقت أول ناقلة سيارات خاصة بها سنة 2024، لتصل اليوم إلى تشغيل أسطول يضم 8 سفن.

